ننشر الآن ولأول مرة جزء من صفحات مذكرات السيد (الشارف باشا الغرياني الكميشي الموسوي الحسيني) كتبها بخط يده وقمنا بتفريغها،وفي الجزء الأول يتحدث الباشا عن نسبه وقدوم أجداده إلى مدينة غريان:
.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد واله والطيبين الطاهرين لما رأيت الكثير من المواطنين واخواني الغير الأقربين لم يعرفوا ما هي الحقيقة وما هو المرجع الذي اليه انتسابنا أردت أن أقول معتصماً بالله من القوة والحول.
.
*النسب الشريف:
فنسبنا أولاً هو:(السيد أبي عبدالله المُكنى قديماً بأبي سفانه الشهير الان بغفير الجبلين ابن الفاضل العالم العلامة الولي التقي الكامل السيد عبيد الشارف بن السيد أحمد الصغير بن هلال بن السيد خليفة بن السيد علي بن السيد يحي بن السيد راشد بن السيد فرقان بن السيد حيسان بن السيد سليمان بن السد أبي بكر بن السيد مؤمن بن السيد محمد بن السيد عبد القوى بن السيد عبدالرحمن بن السيد ادريس بن السيد موسى المحدث بن السيد إسماعيل بن السيد موسى الكاظم بن السيد جعفر الصادق أبن السيد محمد الباقر أبن السيد علي زين العابدين أبن السيد الحسين السبط أبن الامام علي أبن أبي طالب كرم الله وجهه وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم).
.
قدم هذا الشيخ الجليل في صحبة والده المذكور وجملة العائلة من مقر آبائه وأجداده بلدة #مازونة بالمغرب الأوسط ونزلوا بالقيروان مقر أسلافهم السابقين كذلك وأقاموا بها حتي توفى والدهم المشار إليه هناك وله بها إلى الآن قبر مشهور مزور.
.
ثم بعد ذلك توجه هو أخيه السيد عبدالمالك بجملة عائلتهم قاصدين بيت الله الحرام، وزيارة جدهم المصطفي عليه واله الصلاة والسلام، ولما وقفوا فرضهم وتموا مناسك حجهم رجعوا طالبين وطنهم حتى نزلوا ببلدة (الأرباع) قرية مشهورة من قرى غريان وأقاموا بها عهدة من الزمن وقد اجتمع بهما كثير من أهل الرأي والعرفان وقصدهم الجمع الغفير للزيارة والتبرك بهما من أغلب القرى والبلدات وطلب الكل منهما الإقامة رغبة في نسبهما الشهير الطاهر وما أتاهم الله من العلم والعمل به والفقه والورع مع السلوك على نهج الشريعة الجلي الفاخر.
.
بعد ذلك أمر الشيخ أخيه بالإقامة في محله وهو الى حد الان ضريحه بها واضح مشهور يُزار وذريته لا تخفى على أهل وطنهم إذ هم من الأجلة الأفاضل الأخيار،ومن جملتهم العائلة التي لا تحتاج إلى تبيين ولا تخصيص ألا وهما السادة الشهيرون (بأبي رخيص).
.
والجد الذي هو الشيخ أبي عبدالله انتقل إلى الجهة الشرقية من غريان ونزل بوادي القواسم وسكن في بلدة فيه كانت تسمى أولاً بـ (الرقيبة) ثم بعد ذلك سميت بقرية (الكميشات)، وسبب هذا الاسم لكرامة أكرمه الله بها وسياتي ذكرها قريباً أن شاء الله.
.
*الكرامة الأولى:
.
قبل أن يتم له عام بقرية الرقيبة كانت تسكن على القرب منه امرأة مسنة وليس لها إلا ولد واحد وفي ذلك العام توجه من عندها لأداء فريضة الحج فلما وافقت الليلة العاشرة التي هي الوقفة جعلت “شفنزا” ولفته في قطعة من صوف منشوزة من صوف وتعرف عند أهل ذلك المكان بالمنديل وأتت به للشيخ تقصد بذلك إلتماس البركة وصالح الدعاء فلما وافته وجدته واقفاً لصلاة المغرب فتمت عنه حتى تمم صلاته وقدمته له وأخبرته أن قصدها التوسل إلى الله تعالى يجمع بينها وبين أبنها ويرجعه إليها سالماً و كأنها في ذلك التأني وهو واقف في الصلاة المذكورة تمنت في نفسها أن لو كان أبنها حاضراً حتى يكون له نصيب من ذلك المأكول الذي قدمته لسيادة الشيخ وكان في إنعام من الله تعالى عليه إطلاعه على ما أخبرته من باب الكشف ورفع الحجاب فلما ناولته ما معها وبين له غير مرادها رفع يده إلى السماء وطلب إليه بما هو أهله وأخذ منها ما قدم له ودخل بيته والمرأة رجعت لمحلها وبقيت تنتظر بأن الشيخ سوف يرسل لها منديلها فلم حتى أنه قدم أبنها من الحج سالماً وحين ما قدم باشرت معاينة ما كان معه وما أتي به فوجدت ذلك المنديل بعينه داخل أثاثه فتعجبت فى الامر وقالت له يا ولدى ما هذا المنديل ومن أين أتاك؟ فقال ولمن انتي اعطيتيه؟ فقالت لسيد ابي عبدالله في ليلة عرفة فقال لها الامر كذلك وقد سلمه لي في تلك الليلة واوصاني بحفظه حتي أسلمه لك وأمرني بكتمان السر غاية حتى أنه قال من إفشاء منكم هذا السر منكما هذا السر لا يأمن على فقدان بصره وللحكمة التى يريدها الله ما أمكن تلك المرأة صبراً ونطقت بذلك للجليل والحقير والكبير والصغير واصيبت في نظرها كما قال وهذه أول كرامة أشتهر بها ومن سببها سمى بغفير الجبلين أعنى ”جبل عرفة وجبل غريان“، ويقال له (الحاج في ليلته والراجع لعيلته) وقد جلب الله له تعالى قلوب أهل تلك البقعة وحبوه حباً فائقاً وحبسوا عليه المحل الذي نزل به وما كان من غني و لا فقير إلا ووقع عليه بقدر امكانه قلة أو كثرة وما مرت عليه شدة قليلة حتى انه اشتهر بالغنا والعلم أمد الشريف والقرآن العظيم وهذه هى الطريقة التى كان عليها السلف وتمسك بها بنوهم خلف بعد خلف الى الاَن ولله الحمد على ذلك.
.
*الكرامة الثانية “سبب لقبه الكميشي”:
.
وفي مدة قريبة من نزوله بجبل غريان أصابت أهله مجاعة ورحل الكثير منهم الى جهة طرابلس وإلى حدود تونس فلما أحس بهم رضي الله عنه أمر كل من بقي بالقرب منه أن لا يرحل يُعُدُ نفوسه ويأتي بهم بورقة ويقدم له العدد وهو يرتب لهم مما تملكه يده يكون فيه البركة إن شاء الله فمنهم من قال هذا مُحال إذ لا يمكنه أن ينفق علينا ولا عنده ما يقوم بنا حولاً وزيادة ومنهم من قال امتثلوا وفيما بعد لكم النظر فوافق البعض البعض وقدموا له عددهم وأتوه وصار يطالبهم واحداً بعد واحد وكل من يقدم عليه يعطيه مِلءُ يده من موجوده تيناً وزبيباً أو غير ذلك وأهل ذلك الوطن يسمون مِلءُ يده كمشه فكل من يعطيه كمشه على لفظهم تمسكه من الجمعة إلى الجمعة فصاروا يجتمعون مع بعضهم ليلة الجمعة ويقولون غداً نتوجهوا لأخذ الكميشات من الشيخ وهذه هي الكرامة الثانية وبها لقب أيضاً سيدى أبي عبدالله الشارف غفير الجبلين صاحب الكميشات وقد أشتهر هذا الاسم زيادة حتى أن كل أولاده ومن ينتسب إليه لا يعرف إلا بلفظة الكميشى انتساباً لصاحب الكميشات المباركات هذا ما هو باسم الجد الأكبر وما نعلمه من طريق الاختصار وقد اعطى هذا الشيخ إحتراماً كبيراً من حكومة وقته وجُعل له حرماً أمناً بحيث لا يتعدى عليه ولا على من هو منه وإليه أحد بوجه من الوجوه ولعدم وجود لرسم الامر لم اعرف من هو حاكم في ذلك الوقت وإنما فهمت من العرفان الذي أعطاه صاحب الشوكة والدولة ”يوسف باشا القرمانلي“ أن له أمراً من قبله حيث يقول فيه وحددنا لهم في حرمهم من حدوده الأربعة وتركناهم على عادتهم السابقة ويقصد بذلك أولاده جملة الكميشات متحقق لدى أن له أمر سابق ولعله من أسلافه أي أسلاف يوسف باشا رحمه الله، ولهذا الشيخ مزارع كثيرة وكلها توجد بقرى غريان وإلى حد الآن لا تجد بكل الجبل عالم أو منتسب للعلم إلا وهو منه والله إلا قليل ومن جملة فرعنا الذي مقره أبي زيان غريان وبه قرابتنا وأبناء عمنا وأملاكنا إلى حد الان لفرعنا هذا الذي هو به زاوية أيضاً منسوبة للقراءات العظيم والعلم الشريف والمؤسس لها هو السيد عبدالله بن علي بن عمر الكميشي وأخويه السيد عمر والسيد لامين وكان تأسيسها بعد الالف والمائتين والاربعون من الهجرة وذلك في زمن ذي الشوكة والدولة يوسف باشا القرمانلي وقد تبرع عليها دولته بالعفو والتصريح من جملة الرواتب.
.
انتهي الجزء الأول مع تعديلات في بعض الألفاظ والمصطلحات .
(1) مازونة مدينة سياحية تاريخية جزائرية تقع غرب الجزائر العاصمة في قلب جبال الظهرة حيث تتبع ولاية غليزان.
(2) المغرب الأوسط الجزائر حالياً.

